المطرُ يسقطُ مرّة أخرى يا جميلةْ
والشمسُ تثاءبتْ في خِدرِ محجريِكْ
والنَّابتونَ..
مثل أشجارِ اللوز
يَتمَايلونَ تضوراً..
إلى أخرِ دُفقةٍ مِن الضَّياءْ
فمَن أيّ ربيعٍ جاء هذا الحبُّ؟
.. مَن أيّ السُّهولْ؟
بأيّ بذرٍ زُرعَ في الحُقولْ؟
يَنمو ضياءً دافقاً شكلُ الزُّهورْ
والأرضُ نشوانةً يُطربها الهُوى
طرب السّكارى طرب الخُمورْ
يا قلبي..
أخِفْ دمي النَّابضَ بالجُوى
بين وسَائدِ الحُروفْ
وبمَا تشَاء مِن السَّنابلِ
وقبَّلها هِذي الكُفوفْ
الراقصَ الحَناء عَليها
لضربٍ مُنسابَ مِن دُفوفْ
فمِن المصابيح..
وهي تنبضُ بالحياءْ
تتفتّحُ، كالزّنبقةِ الفَجريّةِ،
بكلّ صبيحةٍ دَاحضة النساءْ
فمَن أيّ صوبٍ جاء هذا الحُبُّ..
وأذابَ فِي صدرِي
صقيعُ الشتاءْ؟.
يا لذيذتي..
أمْ دُميتي
يا حُلوتي أمْ مُدهشتي
بأيّ الأسماءِ أُرطب شفتيّ لندائكْ؟
وهي لا تليقُ حتّى بذراعكْ.
أ تَعلمين..؟
مُرهقٌ أمرُّ انتظارَكِ
بُعدكِ واختفائكْ
ووُجهي بَاهتٌ
كقَمرٍ بَللهُ الصَّباحْ
وعينيّ تَجثو بهما الأتّراحْ
فعُوديْ إليّ..
لا أدفءَ مِن احتضانِكْ
ولا يثيرُ بُكائي
سُوى جسدِكِ..
وما يلحقهُ مِن مُمتلكاتِكْ
يا لذيذة..
تعيسةٌ كلّ لحظةٍ
إذْ لم تحوِي
خِيالاً أو طِيفاً
أو عِطراً لكِ فِي الجُو قَائمْ.
وكلّ مدينةٍ
لم تَترطبْ شُوارعِها
بعِرقِ رَجِليِكْ
بها الخَرابُ جَاثمْ.
كيفَ للشَّمسِ إنّ تنامَ؟
دون أنْ تخلقَ لكِ
مَساءً مُلائمْ.
أم كيفَ يُصفّقُ العَشبُ
وتَهزجُ الجنَّائنُ
ويَغردُ القمحُ وتَنمو العَصافيرُ؟
وبيديكِ المَاسيتينَ
لم تَغرسِ البُذورَ..
ولم تعتنِ بالبَراعمْ.
سُدىً يَذهبُ كلّ حُبٍ
وكلّ صَحوٍ وكلّ نُومٍ
وكلّ تَاريخٍ وكلّ حَضارةٍ
وكلّ حَربٍ وكلّ تَحريرٍ
بل كلّ العِيشِ سُدىً يَذهبْ
أذا لم يكُنْ مِن أجْلِ عَينيكْ
ومِن أجْل أعْضاءِكِ عَضُواً
عَضُواً..
يَا لأعْضَائِكْ!
وهِي، خَائبةٌ اللّغة، عِن تُوصيفِها
بلْ خَائبةٌ جميعُ المَعاجمْ
يا فدىً، كلّ جُزءٍ بِي،
لشَعرِكِ المُسبلِ النَّاعمْ
مُدهشتي..
واللذّة عَلامةٌ مُسجلةٌ لعينيكْ
مُذهلتي..
والذُّهول يَفغرُ فُوه،
حينَ عَلى الحائطِ،
يُرسمُ ظِلّ يديكْ
قُنبلتِي الذَّريّة..
والجَحيمَ يصيرُ ثلجٌ
لو قُورنَ مَع عَذابِ
الشُّهوةِ بالنَّظرِ إلى نَهديكْ.
لستُ أحبّكِ
قَدَرَ مَا لِكثرةِ الحُبّ صُرتُ حِكراً
لشِيءٍ مَا يُسمى مَصباحُكْ
أو كَأنَّ كلّ أمَانيّ..
استحالتْ لأكُونَ غَابةً
علّ ذَات يومٍ فَلاحٌ
يَقطّعُ أشجارِي
ويَبيعني إلى عُمالِ مُصنعٍ
ويَقطعونني..
إلى شَرائحٍ أُفقيّةً وعَاموديّةْ
ويَصنعُون مني كُرسياً وطَاولةْ
ويتمّ عَرضِي فِي وَاجهةِ مَحلٍ
ويمرّ أبُوكِ ويشترينِي لمِيلادِكِ هَديّةْ
ويضعونني في شرفةِ غُرفتكْ
كِي فِيها كلّ صَباحٍ
تشربينَ بي قَهوتكْ
فهَكذا ستصيرُ كلّ أيَّامي بكِ بهيّةْ
لأنّني أخيراً،
يا تُربتِي ويا طعمَ الحُريّةْ،
قد انضممتُ إلى مُمتلكاتِكْ
فأشْربيْ مَا شئتِ مِن القَهوة
ومِن دِمائِي ومِن عَرقِ حُروفي
لأنَّ..
لا شِيء يُعادلُ لَزوجةَ احتوائِكْ
ولا شِيء يُوازي كَثافةَ اشتهائِكْ
أحبُّك ويحقُّ لِي إنّ أفتخرْ
أحبُّك كمَا لم يحبُّكْ يوماً بشرْ
أحبُّك ولا انّفكُ ما دَامتْ الدُّنيا بها مطرْ